الاثنين، جانفي 22، 2007

محمود المسعدي : ساحر اللغة العربي 1911-2004



ولد محمود المسعدي في قرية " تازركة " من أعمال ولاية " نابل " التونسية. وبدأ تعليمه في كتّاب القرية حيث أتم حفظ القرآن قبل أن يبدأ مرحلة التعليم الابتدائي في العاصمة. أما الدراسة الثانوية، فقد أتمها المسعدي في المعهد الصادقي عام 1933. وفي العام ذاته، التحق بكلية الآداب بجامعة السوربون ليدرس اللغة العربية وآدابها. وتخرج فيها عام 1936، وأقبل على إعداد أطروحته الأولى " مدرسة أبي نواس الشعرية "، وأطروحته الثانية حول " الإيقاع في السجع العربي "، إلا أن ظروف الحرب العالمية الثانية قد حالت دون إتمامهما. ونشرت الثانية - متأخرة - بالعربية والفرنسية. وقام المسعدي بالتدريس الجامعي في كل من تونس وفرنسا.

وبموازاة نشاطه في حقل التدريس الجامعي، انخرط المسعدي في العمل السياسي، فتولى مسؤولية شؤون التعليم في حركة الاستقلال الوطني التي انتظم في صفوفها مناضلا ضد الاستعمار الفرنسي، كما لعب دورا قياديا في العمل النقابي للعاملين في المهن التعليمية.

بعد الاستقلال، تولى المسعدي وزارة التربية القومية، وخلال تلك الفترة، وضع اللبنة الأولى في أساس الجامعة التونسية. وقبلها، كان قد تمكن من إقرار حق كل طفل تونسي في الدراسة و 1976، تولى المسعدي وزارة الشؤون الثقافية. وبالإضافة إلى تلك المسؤوليات، كان للكاتب نشاط وافر في منظمتي " اليونسكو " و " الأليكسو " و " مجمع اللغة العربية " في الأردن. كما أشرف على مجلة " المباحث " عام 1944، ثم على مجلة " الحياة الثقافية " عام 1975

كتب المسعدي أعماله الإبداعية ما بين عامي 1939 و 1947. وتكشف هذه الأعمال عن التأثير العميق للقرآن في التكوين الفكري والعقائدي لكاتبها وفي أسلوبه. كما تشهد أعماله بسعة إحاطته بأعمال المفكرين المسلمين في العصور المختلفة، وبآثار الأدب العربي القديم التي بدأ اهتمامه بها منذ مرحلة دراسته الثانوية، بالإضافة إلى اطلاعه الواسع العميق على الآداب الفرنسية خاصة والغربية عامة.

ومن أهم أعمال المسعدي: " حدّث أبو هريرة قال 1939، وطبع العمل كاملا عام 1973، و " السد "1940، وطبع العمل كاملا عام 1955 ، و " مولد النسيان " التي نشرت للمرة الأولى عام 1945، وترجمت إلى الفرنسية 1993 والهولندية 1995. وللمسعدي أيضا كتاب " تأصيلا لكيان " الذي جمع فيه شتات كتاباته الأدبية والفكرية طوال حياته.**




يقول محمود المسعدي في مقدّمته كتاب "القاموس الجديد الألفبائي":

"وإنِّي لا أَعْرِفُ لُغَة قاسَتْ ما قَاسَتْهُ الْعَربيّة من عُقُوقِ أهلِهَا بِهَا، بالرّغم عن أنّهم – أو قُلْ من أجل أنّهم، لِفَرْطِ حُبِّهم لها- وإنَّ بعضَ الحبِّ لبَلِيَّةٌ- قد نَزَّلُوهَا مَنْزِلَةَ "قُدُسِيَّة" ليست من طبعِها ولاَ لها طاقَةٌ بها. فقد أرادها بعضهم في القديم "كائنا أزلِيّا" ولم يَتَحَاشَوْا في نِسْبَتِهَا إِلَى اللَّهِ وغَالَوْا في ذلك حتّى تخاصموا في قِدَمِ القرآن وخَلْقِهِ خُصُومَة أَزْرَتْ في عهدِهَا بعلماءَ جِلَّةٍ أَعْلاَمٍ"




وهذا النَص من كتابه "مولد النسيان"

قامت واهنة الحركة..وجاءت بفاكهة فألقتها على المائدة. ثم جلست وقالت:
يا مدين إنه قد ذهب صبري وعيل تجلدي. أفلا نخرج من هذه البلاد؟
وأُسقط في نفسها فتنهدت وقالت:
تجاوز طاقتي هذا الحر يثقل كالندم، وهذا العفن كالجثث البوالي، وهذه الغدران. وتعلق النتن بالهواء ودخل الحلق مع الأنفاس. وكرهت عيني أن لا تصيب إلا جثث الموتى، ونفسي أن لا يقع لها إلا معاني الموت والفناء، وبرمت بهذه الأرض الندية المسترخية اللخناء.
قال:
إنه قد مات لي اليوم بالمارستان ميت.
قالت:
ترى لو أسلمنا للموت أمره وللأموات، وطلبنا لأنفسنا الحياة؟
فألقى إليها ببصر ناحل كئيب وقال:
ومتى سهونا يا ليلى عن طلب الحياة؟
انظري حسنك وسلامة جسمك والمائدة بين يديك. إنا لا نفتأ نطلب الحياة ونطعم ونشرب فنهيئ للدود الطعام.
ثم أخذ موزة وقشرها ونظر فقال:
وسيأتي يوم يسترخي اللحم ويبيض كالموز ويطيب للدود ويكون الختام.
قالت:
وتريد أن تقتل الموت؟
قال:
نعم يا ليلى: ومع هذا أريد أن أقتل الموت لأن الأبد واجب والحياة


ليست هناك تعليقات: