الجمعة، جانفي 19، 2007

الأمم الأسواق...

نور الدين العلوي


لكل اجل كتاب غير ان اجلي جاء قبل كتابي أو لعل كتابي سبق الأجل فمت موتا تاما ناجزا مكتمل الشروط التنفيذية موت حاصل على كل المواصفات التقنية الموجبة لمقاييس الموت الموصوف الذي لا يختلف فيه الأطباء بحيث لن يقولوا ان القلب توقف أولا أو ان الدماغ توقف لاحقا .

كنت اسمع محمد عبد الوهاب يغني واشرب خمرا عليها علامة أجنبية ولم ادقق في العلامة قصدا قبل ان أموت خشية ان اكتشف أنها صنعت بترخيص في عصر المناولة حتى لا اكتشف أني دفعت ثمن سلعة مستوردة من نفس المكان الذي سرت عليه . وهي عادة قديمة عندي اكتشفتها بعد ان فقدت ثقتي في كل شيء فتوصلت باتفاق مع عقلي الظاهر والباطن ان أقول لهما بصوت مرتفع اسمعه حتى اخرج من منطقة الظن إلى منطقة اليقين إني لم أتعرض للغش وإنما هي قوانين السوق وأنا اعرف الناس بان الأمم الأسواق ما بقيت فان هم ذهبتم أسواقهم ذهبوا . ولبقائي كان يجب بقاء السوق ولتبقي السوق يجب ان اسلم لها باني لم أتعرض للغش وقد قبل عقلاي الباطن والظاهر كلاهما ضرورة السوق وضرورة الحفاظ على المعاملات السائدة فالأمم الأسواق وأنا من امة لو صبت على رأسها واقفة .وكنت أغلقت النافدة كي لا يتسرب الطريق إلى عبد الوهاب فيغتاظ فهو على حد علمي يكره غوغاء الشارع . وكنت قمت بأشياء صغيرة تقتضيها الجلسة التي لم اعلم أنها اللحظة الأخيرة الا في اللحظة الأخيرة منها أني تعريت تماما كما ولدتني أمي ليس تمام فقد كانت هناك آثار حلاقة في مواقع مختلفة.كان ذلك ضروريا لحالة الصفاء التي تجعل الكأس تزداد صفاء. وبدأت انتشي والحقيقة ان عبد الوهاب هذا رجل غريب الأطوار فهو يختار الأغنية التي تجعل مزاج الإنسان ممتازا جدا واعتقد الآن وقد مت موتا تاما انه يحضر مع من يسمعه في عزلة فيختار له الأغاني المناسبة للجلسة أو انه يجعل الجلسة بإيحاء غريب وغير مفهوم لي بالمرة تتوافق مع الأغاني المتوفرة فلا تستقيم بغيرها مما لا يتوفر في اللحظة .كان عبد الوهاب قد اختار لي ما جعلني انتشي وكنت قريبا من روحي في تلك اللحظة .فرايتها كاملة غير منقوصة بكل جمالها وبعض عيوبها إذ لم تكن حتى تلك اللحظة عيوب كثيرة .رايتها نعم رأيت روحي وليس عليها آثار حلاقة في أي موضع فالظاهر ان ليس للروح شعر ولا زغب .

لا يسألنني احد بعد كيف وجدت روحك.فتلك أسرار حملتها معي إلى هنا حيث أنا الآن مشرف عليكم من موقع عال وارى أرواحكم ولو تعلمون كم أرى فيها من ندوب .كانت روحي تتعرق سأقول بشيء من المبالغة تتفصد عرقا .كانت روحي بلا جسد من لحم ودم ولكن كانت تتعرق يسيل منها عرق ليس له رائحة العرق ولا لونه فقد كان ماء صافيا ولكن به كور صغيرة من الملح حتى أني جمعت من الملح في كاس وشربته مع خمري الصافية . فزادني ملح روحي نشوة ولولا ان عبد الوهاب كان بعيدا ومنعزلا بعض العزلة عن العامة أو الغوغاء التي تحيطني لتناول حبة أو حبيتين من ملح روحي .لكن روحي كانت عرقة وتمسح بعض عرقها بكف يدي خاصة بعد ان أحكمت إغلاق الغرفة دون أصوات الغوغاء التي تصعد إلي من الحانة السفلية التي كانت تسمع موسيقى الرأي إذ لما اختصم «يا بابور قولي رايح على فين» مع «يا بابور يا من أمور» غضب عبد الوهاب و قلب كأسه على الطاولة ولم يرض الا بإغلاق النافدة .وقد بذلت جهدا أخيرا وغير مؤمن بشيء لفرط الإيمان باللاجدوى ان البابور الذي صفر حمل أملا أخيرا في النجاة من بلد الحقرة المجاورة للبلاد الخضراء كثيرا والتي كانت فيها غزلان في المرسى وفي حلق الوادي فلما اختنق الوادي غنت كلها بصوت مبحوح «بابور زمّر» .لكن عبد الوهاب هز كتفيه . أغلقت النافذة وأخلصت له اجمع حبات ملح روحي في كفي واقول إني أتطهر وقد تطهرت فعلا بعد حين .وها أنا اشرف على أرواحكم من عل لعله الجنة التي لم يرها الا ادم ولم ينقل عنها الا خبرا قليلا فقد نزل منها غضبانا . نظرت إلى الأمام مليا وقلت ان روحي قريبة مني وأريد ان أراها فرايتها صافية الا من عيوبها الا التي كنت أخفيها فتختفي في أماكن لم أكن أراها .

رأيت روحي ملآنة بأحبابي الذين عرفت في طفولتي وفي أول شبابي وفي كهولتي وفي عمري المتقدم حين صرت أقول السلام على من رأيت وعلى من لم أر وعلى من لا يجب ان أرى كيلا يضطرب سكري ويرتفع الضغط فأموت قبل الأوان . لقد مت السلام على الجميع من حيث أراهم يجتنبون السكري بنقله إلى الآخرين.

نظرت إلى الأمام مليا جحظت عيناي مليا وبرزت منهما حبتان كبيرتان فيهما عروق صغيرة ودقيقة وحمراء كأنها مليئة بدم جار ثم سقطت الحبتان الكبيران المخططتان بالأحمر بين يدي وفيما كنت أتأملهما بعينين فارغتين هب هواء قوي من نافدة لم تغلق وتدفق داخل المكانين اللذين كانا يحتويان الكرتين.ثم دار في ذلك البناء المستدير الذي يسمي في علم التشريح بالجمجمة ثم انسكب ذلك الهواء من منخري ودار مرة أخرى من الفراغين ولكن لم يلبث ان حمل معه شيئا شفافا ليس ابيض وليس ازرق ولكن فيه مزيج من لونين خفاقين يرى ما ورائهما . قال لي ذلك الشيء الشفاف أيها اللحم أنا روحك أطير بعيدا فتنفس بدوني لعل الله ان ييسر بك معجزة .

قام اللحم المليء بالندوب يهم بروحي لكنها حلقت عاليا وخيل إليه انه يسمع ضحكة رنانة وسقط. قال أهل الكلام مغشيا عليه وقال أهل الطب مات ويقول آخرون يحسبون الأنفس ويعدون الضرائب دخل اقل فلنزد على الباقين قليلا.

طارت الروح الزرقاء عاليا ورفت بجناح ابيض حول اللحم الجاثم قريبا من عبد الوهاب الذي كان يغني في هدوء .ورأت روحي شيئا ينساب من محجرين فارغين فاقتربت ورأت وديانا من الدود الأصفر تنساب مرتاحة مطمئنة إلى منعة المكان الفارغ . كان الدود الأصفر يحمل في موجه المنساب أفكاري القديمة مثل احب لأخيك ما تحب لنفسك و انجده إذا ضاقت به الحال و لا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تزر وارزة وزر أخرى وقل ربي زدني علما وتواضع تكن كالنجم ورأت فوج دود يحمل حب الوطن من الإيمان .لم تبك روحي مما رأت .كانت قد صارت شفافة حتى ان ازرقها ابيضّ فلم تبال قالت كانت لك أفكار ثم مت فما جدوى .

رأيت روحي اقسم إني رايتها ليس بتينك العينين الساقطتين في حجري كانت قد صارتا في مجال الدود ولكن رايتها وكانت تطير محلقة حولي. جف عرقها بعد ان هفت في الريح البارد الذي يجلل الجبل الأجرد الذي اسكن بجواره .خفقت روحي من حولي وهفت وكان لها خفق جناح لم ينكسر .قالت طر معي فقد وصل الدود إلى العظم .كانت نبتت للدود أسنان وكان يقد العظم قدا حتى لتسمع حشرجة منشار في خشب قديم وكان العظم قديما لكن مناشير الدود كانت من حديد وكان العظم في قوانين الدود كما في قوانين الطب أو في كليهما لا يقوى على الحديد.

كانت بروحي جروح غائرة كان في ظهرها جرح به ثلم من سكين صدئ نسي هناك قالت لي روحي هل تذكر يوم حملت إلى امرأة وردة حمراء مسقية قبل قطافها وكانت تضوع وقدمت الوردة وانتظرت شكرا وقد نصحتك الا تفعل لكنك تعامين وطلبت موعدا فحصلت على وعد فقط وعشت به تنظف أسنانك لتبتسم لها ابتسامة بيضاء صافية وأنا أقول لك أفق انك تجرحني وذهبت إلى الموعد ولم تأت وعدت ولم تر السكين منغرسا في كبدي حتى اعترضت طريقك عائدة مع آخر كانت له سيارة .ساعتها تذكرت ان الورد لغة قديمة وانك بلا سيارة تحتاج ان تصمت ولا تحب ولو جفت روحك بين دفتيك وكنت بدأت اجف لكنك أبيت الا أن تترك في ظهري خنجر ا .كان لها جرح في جنبها الأيمن تحت يدي التي كنت اكتب بها قالت لي هل تذكر يوم دخلت على عملك فرحا مسرورا فاجتهدت فوصلت إلى ما تريد وسجلت نجاحا وافقت في العشية بالشكر يذهب إلى جارك الذي كان جاء بعد موعده ونام فوق المكتب.

وكان لها جرح في الجبين لم تذكرك، تذكرت يوم رميت كتبك خلف ظهرك و سرت في المظاهرة صارخا ان لك وطنا عزيزا لا يسام الخسف يوما فعدت بثلمة زرقاء فوق حاجبك الأيسر وقال لك الشرطي الأزرق وهو يهوي عليك يا ابن القحبة فانسحبت ولم تقل لامك الا انك انزلقت في الطريق .

وكانت في روحي جروح أخرى غائرة وكانت وضعت علامات على الجروح لتسترها وكان احد الجروح مستورا بشعار الاتحاد العام وآخر كان مستورا بعلم به نجمة حمراء في هلال ابيض وكان بها جرح مفتوح ينزف بعد يطل منه طفل فلسطيني يرفع أصبعيه في وجهي ويقول لا تبك علي ولكن لا تجلس على رئتي .بكيت على روحي فلم يكن لأحد حاجة إلى دمعتي .جذبت لسان المغني فسكت وضغطت زرا في الجدار فأدخلت الليل إلى غرفتي فككت خيوط حذائي وسمعت صوتي ظهري يستقيم .خفقت روحي حولي في الظلام المهيمن وقالت طر فشدني إلى الأرض ثقل من لحم وخوف و ووهم بقوم لا ينشرون العظم نشرا.وها أنا بين الدود انتظر اللحظات الأخيرة لأموت موتا قانونيا فأتوقف عن دفع الضرائب مسرورا بالنجاة في بلاد الحد الأدنى .

الكاف ليلة الخامس عشر من سبتمبر 2006

ليست هناك تعليقات: