الأربعاء، ديسمبر 20، 2006

لغة المقاومة



تنتظر بعض اللغات أن ينحط بها أهلها، لكي تنبت فيها من جديد روح المقاومة. و إذا كانت اللغة من مكونات الفضاء الثقافي لكل أمة، فليس على رجال تلك الأمة إلا أن تنهض بها دفاعا و مقاومة.
لقد كانت اللغة العربية إحدى هذه اللغات المقاومة: تقاوم من اجل حيازة وجودها و تحصينه و حمايته ثقافيا و جغرافيا و سياسيا. و ليس غريبا أن تتواصل بعض الفتوحات الإسلامية إلى عهد الدولة العباسية ، ليس ذلك إمعانا في الإسلام بل إمعانا في لغة الإسلام التي بها جاء و بها نطق . لقد كان ذلك من الواجب الأخلاقي و الثقافي تجاه لغة ملكنا بها العالم و الأشياء. و ما على هذه اللغة، في تلك العهود، سوى أن تتطاول مقوية لسانها و إطارها الجغرافي و محيطها البشري. و هي، في كل ذلك، ليست إلا في موقع المقاومة الثقافية الشريفة . و لم تكن أبدا في حيز الدفاع ، بمعنى التحصن في موقعها الذاتي معزز بعناصرها الذاتية متقوقعة عليها ، و لكن بمعنى الدفاع عن خارجها الذي تريد أن تمتلكه .
أليس غريبا الآن أن تنقلب دائرة النواميس ، و تنسحب من حدود المقاومة و من حدود الدفاع ، فلا لغتنا ضمن ضوء اللغات العالمية ولا هي تدافع عما بقي لها من قوة : قوة ذاتية ، هكذا اذن تعيش اللغة العربية هشاشتها ، لأنها فقدت رجالها و صانعيها ، بعد أن فقدت حيزها الجغرافي و الثقافي ، حتى لا نقول السياسي .
ربما لن ننعى لغتنا، رغم، أن معجمنا العربي يزخر بمفردات النعي و الموت، و لكن في اللغة ذاتها ما يمجدها و يصنع ضوءها. و تلك هي بداية الدفاع .
ربما استطاعت اللغات الأوروبية أن تكون ها هنا ، مقررة عالميا في المؤتمرات و المعاهدات و المناسبات الدولية لأنها استرجعت ما لها من مواقع حصينة مختلفة؛ بل أنها خلال الفترات الاستعمارية السوداء ، طمحت إلى ما هو خارج عليها ( المستعمرات ) ، فعززت أسباب نموها الاقتصادي عن طريق امتلاك الآخر لغة و ثقافة و جغرافيا . لم نكن جاهلين بصعود الاستعمار في بداية القرن العشرين و بعنصريته و بطموحه الاستغلالي ، و لكننا جاهلين بما نقص منا و ما زاد عليهم : اللغات الأوروبية تغزو حياتنا و تمتد إلى اليومي ، أما لغتنا و حتى لهجاتنا فكانت تنحدر إلى مناطق خطرة يصعب الصعود منها .
لقد قررنا أن حركاتنا التحررية كانت امتدادا لحقنا الشخصي ، و لكن نسينا أن ندافع عن لغتنا من الداخل ، حتى بعض مثقفينا كتبوا روحهم التحررية بفرنسية ( لهم ليست لنا ) كما قيل ، ولم يقاوموا الصدأ الذي بدأ يعلق بلغاتنا و السوداوية التي تطرأ على عيون بعض المفكرين و العلماء . من كان سيغفل عن ذكر كاتب ياسين : لا يذكره إلا القليلون ذوو القلوب النخبوية .
انتظرنا أن تنحط بنا جميع المنازل و لم نفعل شيئا، فانسحبت لغتنا إلى الخلف، حتى خلف اللغات التي لم تكن تذكر. و لا بد من ضوء ، من بريق كي نقاوم نظرتنا الدولية و أفقنا الهابط ، لا بد من أن تدافع عن ذاتها كي تقاوم الآخر ، و لن نذهب البعيد : حد إلغاء الآخر حتى لا نكون استعمارا جديدا ، بل تقاوم الآخر بصنع أدوات حقوقها و وجودها : و أولها أن يكون لها لسان . فليس سهلا أن تكون لنا سحرية ما نتغلب بها على حيزنا الذاتي ، و لكن انظرْ : كم انتظرت اللغات العالمية من قرون كي تقف حول الشمس تماما ؟؟ قرون كثيرة جربت خلالها أدوات عديدة و طرق مختلفة ، بما فيها الأساليب اللاأخلاقية و اللاانسانية كي تتقدم خطوات ، لأن فيها بذور إيمان، أقله الإيمان الأخلاقي و الثقافي تجاه نفسها بل انظرْ : كيف حولت تلك اللغات وجهتها : ادعاؤها بأن لها حقا أخلاقيا تجاه الآخر ، و بذلك لا بد من تطويقه من أجل تصويبه و تقويمه ( هكذا) .
أما الآن فقد حان لهذه اللغة أن ترتدي لباس المقاومة و الدفاع عن نفسها ، لا بأنبيائها و لا بولاتها و لا بمشعوذيها، و لكن بلسانها الحر في أن يكون هو نفسه ، و بصوتها الحر في أن يكون هو نفسه.. حينئذ تستحق لغة ما أن تكون : لغة مقاومة.....
سالم وريثة
شاعر تونسي

هناك تعليق واحد:

ادم المصري يقول...

اللغة .. هي وسيلة للتواصل

اثر الاستعمار كثيرا في وسائلنا وادواتنا

اوافقك الراي تماما فيما تذهب اليه

وانا معك ايضا في الحملة التي نوهت عنها في مدونتي

وارجو منك ان تطلعني علي مزيد من اخبارها حتي استطيع ان اعبر عنها انا الاخير


لك الايميل في البروفيل

وانتظر منك رد